فخر الدين الرازي
170
تفسير الرازي
عليه وسلم وأصحابه في أكل الميتة . والثاني : قال عكرمة : وإن الشياطين ، يعني مردة المجوس ، ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش ، وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس ، فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة ، أن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام . فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ثم قال : * ( وإن أطعتموهم ) * يعني في استحلال الميتة * ( إنكم لمشركون ) * قال الزجاج : وفيه دليل على أن كل من أهل شيئاً مما حرم الله تعالى ، أو حرم شيئاً مما أحل الله تعالى فهو مشرك ، وإنما سمي مشركاً لأنه أثبت حاكماً سوى الله تعالى ، وهذا هو الشرك . المسألة الثالثة : قال الكعبي : الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق ، كما جعل تعالى الشرك اسماً لكل ما كان مخالفاً لله تعالى ، وإن كان في اللغة مختصاً بمن يعتقد أن لله شريكاً ، بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركاً . ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك ههنا اعتقاد أن الله تعالى شريكاً في الحكم والتكليف ؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك إلى الاعتقاد فقط . * ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله ذكر مثلاً يدل على حال المؤمن المهتدي ، وعلى حال الكافر الضال ، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً ، فجعل حياً بعد ذلك وأعطى نوراً يهتدى به في مصالحه ، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها ، فيكون متحيراً على الدوام . ثم قال تعالى : * ( كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) * وعند هذا عادت مسألة الجبر والقدر